مجد الدين ابن الأثير
276
المختار من مناقب الأخيار
وقيل له : ليس لك من المحبّة شيء . فقال : صدقوا ولكن لي حسراتهم فأنا أحترق فيها . ثم قال : المحبّة مجانبة السّلوّ على كلّ حال . وأنشد يقول : ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة * فإنّي من ليلى لها غير ذائق وأكبر شيء نلته من وصالها * أمانيّ لم تصدق كلمحة بارق « 1 » وسئل عن القوت فقال : للنّفس قوت ، وللقلب قوت ، وللرّوح قوت ، وللسّرّ قوت . فقوت القلب الطّمأنينة ، وقوت الرّوح السّماع ، وقوت السّرّ الفكرة ؛ لأنّ القوت صادر عن الحقّ وراجع إليه ، والقوت في الحقيقة هو اللّه جلّ وعزّ ، لأنّ منه الكفايات . وأنشد : إذا كنت قوت النّفس ثم هجرتها * فكم تلبث النفس التي أنت قوتها ستبقى بقاء الضّبّ في الماء أو كما * يعيش ببيداء المهامه حوتها « 2 » وقيل له : أليس الأنفس والأموال للّه تعالى ؟ فكيف اشتراها بما هو له ؟ ! فقال : اشترى منهم نظرا لهم ، كشراء الأب للطّفل نظرا له « 3 » . وقليل له : إنّ بعض الناس يجالس النّسوان ويقول : أنا معصوم في رؤيتهن ! فقال : ما دامت الأشباح باقية ، فإنّ الأمر والنّهي والتحليل والتحريم مخاطب بها ، ولن يجترئ « 4 » على الشبهات إلا من هو يتعرّض للمحرّمات « 5 » .
--> ( 1 ) مختصر تاريخ ابن عساكر 4 / 107 . ( 2 ) مختصر تاريخ ابن عساكر 4 / 106 . ( 3 ) طبقات الصوفية ص 487 وزاد فيه ما نصّه : « ملّكك نفسك ، ثم أسقط عنها ملكك ، لئلا يقع لك - بتمليكه إياك - غبن ، بأن تشتري به ما لا يعارضه ، أو تبيعه بما لا يوازنه » . ( 4 ) في ( أ ) : « يحتوي » . ( 5 ) طبقات الصوفية ص 487 .